السيد مصطفى الخميني

29

تفسير القرآن الكريم

قلت : مفاد الأخيرة : أنهم ما كانوا مهتدين بالهدايات الاكتسابية ، وما كانوا متأثرين من ناحية العوامل الخارجية . ومفاد صدرها : أنهم باعوا الهداية الأولية الفطرية التي يولد عليها كل مولود ، وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها . وأيضا فيه إشعار : بأن ما أصابهم من سيئة فمن أنفسهم ، وما أصابهم من حسنة فمن الله ، فإن الضلالة من سوء فعالهم ، فيكون نسبتها إليهم أقوى من نسبتها إلى الله . وأما الهداية التي باعوها فهي من الله ، وتكون نسبتها إليه تعالى أقوى وأقرب . فالضلالة في هذه الآية منسوبة إلى المنافقين ، وأنهم أضلوا أنفسهم بالاختيار والإرادة . وأما أن الهداية التي جعلوها ثمنا وعوضا ، فهل هي حصلت لهم بالاختيار أم لا ؟ فالآية ساكتة من هذه الجهة ، إلا أن من جواز الاستبدال يظهر أن الهداية أيضا تحت الاختيار بقاء وإن لم تكن حدوثا تحته ومورد القدرة والإرادة ، كما في الهداية الذاتية والسعادة الطبعية . ومن هنا يظهر فساد مقالة القائلين بأن الضلالة والهداية من مخلوقات الله ومن أفعاله تعالى ، ولا يذم عليها ولا يمدح ( 1 ) . وأيضا تدل الآية على صحة تقبيح المنافقين ، ولا يصح ذلك إلا بالنسبة إلى الأمور الاختيارية ، فتكون من هذه الجهة أيضا دليلا على اختيارية الضلالة والهداية ، وأنهم أقرب إلى أفعالهم السيئة من الله

--> 1 - راجع شرح المقاصد 4 : 233 ، شرح المواقف 8 : 145 .